ما هو الذكاء الاصطناعي العامّ (Artificial General Intelligence - AGI)؟

تاريخ النشر: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة

يهزم البرنامج بطل العالم في الشطرنج هزيمةً ساحقة، لكنه يقف عاجزاً تماماً إن طُلب منه أن يشرح لماذا كانت نُقلةٌ ما جيّدة، أو أن يلعب لعبةً أخرى بقواعد مختلفة. هذا حال معظم الذكاء الاصطناعي الذي نستعمله اليوم: بارعٌ إلى حدّ التفوّق على الإنسان في مهمّةٍ واحدة دُرِّب عليها، وعاجزٌ خارجها. البرنامج الذي يشخّص الأورام من صور الأشعّة لا يعرف كيف يقود سيّارة، ونموذج اللغة الذي يكتب لك مقالاً لا يستطيع أن يطوي قميصاً.

الإنسان مختلف. الطفل الذي يتعلّم أنّ النار تحرق لا يحتاج أن يُكوى مرّةً بكل شيءٍ ساخن ليتعلّم الحذر؛ يعمّم القاعدة من موقفٍ واحد إلى مواقف لم يرها قطّ. والمهندس الذي يتقن لغة برمجةٍ يلتقط الثانية أسرع، لأنه ينقل الفهم من مجالٍ إلى مجال. هذه المرونة — التعلّم من القليل، والتعميم على الجديد، ونقل المعرفة بين المجالات — هي جوهر ما يفتقده الذكاء الاصطناعي الحالي، وهي بالضبط ما يَعِد به مصطلح الذكاء الاصطناعي العامّ (AGI).

الذكاء الاصطناعي العامّ (AGI): ما هو، ولماذا لم يُبلَغ بعد؟

التعريف: ما الذي يجعل الذكاء «عامّاً»؟

الذكاء الاصطناعي العامّ (Artificial General Intelligence – AGI) هو نوعٌ افتراضيّ من الذكاء الاصطناعي يضاهي القدرات الذهنية للإنسان أو يتجاوزها عبر أيّ مهمّةٍ معرفية تقريباً، لا في نطاقٍ ضيّق محدّد. وكلمة «افتراضيّ» هنا ليست مجازاً: لا يوجد نظام AGI اليوم، بل هو هدفٌ يسعى إليه البحث، لا واقعٌ قائم.

جوهر التعريف يكمن في كلمةٍ واحدة: العموم (generality). ليس المطلوب أن يكون النظام أذكى من الإنسان في شيءٍ ما — فهذا يحدث اليوم في الشطرنج وكشف البروتينات. المطلوب أن يكون ذكاؤه واسعاً مرناً كذكاء الإنسان: يتعامل مع مشكلةٍ لم يرها من قبل، ويتعلّم مجالاً جديداً من الصفر، وينقل مهارةً اكتسبها في سياقٍ إلى سياقٍ آخر مختلف تماماً — كلّ ذلك دون أن يعيد مبرمجوه بناءه لكل مهمّةٍ جديدة.

النظام الضيّق أشبه بآلةٍ حاسبة فائقة الدقّة تجيد عمليةً واحدة ببراعةٍ خارقة، لكنها تعجز عن أيّ شيءٍ خارجها. أمّا AGI فأشبه بموظّفٍ ذكيّ جديد: تشرح له مهمّةً لم يفعلها من قبل، فيفهمها، ويسأل حين يلتبس عليه شيء، ويطبّق خبرته السابقة عليها، ثم يتعلّم منها لِما بعدها. الفارق ليس في مقدار الذكاء بل في اتّساعه ومرونته.

وقد صاغ الباحث ماركوس هَتَر (Marcus Hutter) عام 2000 تعريفاً رياضياً لهذا العموم أسماه AIXI، يُعرّف الذكاء بأنه «قدرة الوكيل على تحقيق أهدافه والنجاح في نطاقٍ واسع من البيئات». وهذه العبارة الأخيرة — «نطاقٌ واسع من البيئات» — هي بيت القصيد: الذكاء العامّ يُقاس باتّساع المواقف التي ينجح فيها، لا بإتقان موقفٍ واحد.

من أين جاء المصطلح؟

قد يظنّ كثيرون أنّ «الذكاء الاصطناعي العامّ» مصطلحٌ وليد السنوات الأخيرة مع صعود روبوتات المحادثة، لكنّ جذوره أقدم. أوّل ظهورٍ موثّق للعبارة كان عام 1997 على يد الفيزيائي مارك جبرود (Mark Gubrud)، في ورقةٍ بعنوان «التقنية النانوية والأمن الدولي». لم يكن جبرود يتحدّث عن روبوتات المحادثة، بل عن مستقبل الإنتاج العسكري المؤتمت، وعرّف «الذكاء الاصطناعي العامّ المتقدّم» بأنه أنظمةٌ «تضاهي الدماغ البشري أو تفوقه في التعقيد والسرعة، وتستطيع أن تكتسب المعرفة العامّة وتعالجها وتستدلّ بها، وتصلح لأيّ مهمّةٍ يحتاج فيها الأمر عادةً إلى ذكاءٍ بشري».

لكنّ المصطلح لم ينتشر من هناك. أُعيد إحياؤه وتعميمه مطلع الألفية على يد الباحثَين شين لِيغ (Shane Legg) — المؤسّس المشارك لاحقاً لشركة DeepMind — وبِن غويرتزل (Ben Goertzel). أراد غويرتزل عنواناً لمجموعة أبحاثٍ يحرّرها عن هذا النوع من الذكاء الأوسع، وكان يفكّر في تسميته «الذكاء الحقيقي» أو «الذكاء القويّ»، فاقترح عليه لِيغ عبارة «الذكاء الاصطناعي العامّ» واختصارها إلى AGI. وبصدور الكتاب الذي حمل هذا الاسم عام 2007، رسخ المصطلح وانتشر في أوساط البحث.

سبب نجاح هذه التسمية تحديداً هو ما تلتقطه كلمة «العامّ» من تمييز. كان مجال الذكاء الاصطناعي قد امتلأ بأنظمةٍ تبرع كلٌّ منها في مهمّةٍ واحدة، فاحتاج الباحثون إلى كلمةٍ تفصل بين هذا النوع الضيّق وبين الطموح الأصلي للمجال: بناء آلةٍ ذكية بالمعنى الواسع الإنساني. كلمة «العامّ» فعلت ذلك بدقّة.

الأنواع الثلاثة: الضيّق، والعامّ، والخارق

يُخلط غالباً بين ثلاثة مستويات من الذكاء الاصطناعي تُختصر بثلاثة رموز، وفهم الفرق بينها أساسيّ لضبط المصطلح:

الأول: الذكاء الاصطناعي الضيّق (Artificial Narrow Intelligence – ANI). هذا هو كلّ ذكاءٍ اصطناعيٍّ موجودٍ اليوم دون استثناء. نظامٌ يؤدّي مهمّةً واحدة أو نطاقاً ضيّقاً من المهام، بمستوى الإنسان أو أفضل، لكنه يعجز عن التعميم خارج ما دُرِّب عليه. برنامج التعرّف على الوجوه، ومحرّك الترجمة، وحتى نماذج اللغة الكبيرة التي تكتب وتبرمج — كلّها ذكاءٌ ضيّق مهما بدت قدراتها واسعة، لأنها تظلّ محصورةً في نمط المهام الذي رأته في تدريبها، وتنهار أمام ما يخرج عنه حقاً.

الثاني: الذكاء الاصطناعي العامّ (AGI). هو موضوع مقالنا: نظامٌ يضاهي الإنسان في مدى ذكائه لا في مهمّةٍ بعينها، فيعمّم وينقل المعرفة ويحلّ الجديد. لم يُبلَغ بعد.

الثالث: الذكاء الاصطناعي الخارق (Artificial Superintelligence – ASI). هذا يقع بعد AGI، لا قبله ولا معه. نظامٌ يتفوّق على أفضل العقول البشرية في كل مجالٍ بفارقٍ كبير — في المنطق، والإبداع، والحكمة، والذكاء الاجتماعي — ويقدر على تحسين نفسه ذاتياً. وهو أيضاً افتراضيٌّ بالكامل، وأبعد منالاً من AGI.

الترتيب المنطقيّ إذن: نبدأ من الذكاء الضيّق الذي نعيشه اليوم، ثم — إن تحقّق — الذكاء العامّ الذي يضاهي الإنسان، ثم — بعده — الذكاء الخارق الذي يتجاوزه. والخلط الشائع أن يُظنّ أنّ AGI يعني آلةً تسيطر على البشر أو تفوقهم في كل شيء؛ وذلك وصف الذكاء الخارق، أمّا العامّ فسقفه أن يضاهي الإنسان لا أن يتجاوزه.

AGI مقابل «الذكاء القويّ»: فرقٌ دقيق يخلط بين الناس

يُذكر AGI غالباً مرادفاً لعباراتٍ أخرى كـ«الذكاء بمستوى الإنسان (Human-level AI)» و«الذكاء الكامل»، وأكثرها شيوعاً «الذكاء القويّ (Strong AI)» — لكنّ هذا الخلط يخفي تبايناً تاريخياً.

عبارة «الذكاء القويّ» صاغها الفيلسوف جون سيرل (John Searle) عام 1980 بمعنىً مختلف عمّا يقصده مهندسو اليوم. فرّق سيرل بين فرضيّتين: «الذكاء القويّ» بمعنى أنّ الآلة تمتلك فعلاً عقلاً ووعياً وتفهم حقاً، و«الذكاء الضعيف» بمعنى أنها تتصرّف كأنها تفكّر دون أن تفهم شيئاً في داخلها. سؤال سيرل كان فلسفياً عن الوعي، لا هندسياً عن القدرة.

أمّا حين يقول مهندسٌ أو باحثٌ اليوم «ذكاءٌ قويّ» فيقصد غالباً القدرة الواسعة بمستوى الإنسان — أيْ AGI — دون أن يعنيه أمر الوعي إطلاقاً. وهنا الفارق الجوهريّ الذي يميّز مصطلح AGI: صِيغ ليكون مقياساً للقدرة، فينفصل عن السؤال الفلسفيّ الشائك عن الوعي والشعور. يكفي أن يؤدّي النظام المهام الذهنية بمستوى الإنسان لِيُعَدّ ذكاءً عامّاً، سواءٌ أكان في داخله «تجربةٌ واعية» أم لم يكن. وأغلب الباحثين يَعُدّون سؤال الوعي خارج نطاق تعريف AGI أصلاً، كما لخّصه الباحثان راسل ونورفيغ (Russell & Norvig): «ما دام البرنامج يعمل، لا يهمّهم أن تسمّيه حقيقياً أو محاكاة».

هذا الفصل مقصود ومفيد: يتيح الحديث عن قدرات الآلة وقياسها دون التورّط في جدلٍ فلسفيّ قد لا يُحسَم أبداً.

ما الذي يجب أن يقدر عليه نظامٌ ليُعَدّ AGI؟

يتّفق الباحثون عموماً على قائمةٍ من الملَكات التي يجمعها الذكاء البشري ويجب أن يمتلكها نظام AGI ليُعَدّ ذكاءً عامّاً:

  • الاستدلال (reasoning): حلّ المشكلات، ووضع الاستراتيجيات، وإصدار الأحكام في ظلّ عدم اليقين — لا الإجابة عن أسئلةٍ رأى مثيلها فقط.
  • تمثيل المعرفة (knowledge representation): امتلاك معرفةٍ عن العالم، بما فيها المعرفة البديهية (common sense) التي يمتلكها كل إنسانٍ ويصعب تلقينها للآلة (كأنّ الماء يبلّل، وأنّ الأشياء تسقط إلى أسفل).
  • التخطيط (planning): رسم خطواتٍ متتابعة نحو هدفٍ بعيد، ومراجعتها حين تتغيّر الظروف.
  • التعلّم (learning): اكتساب مهاراتٍ ومعارف جديدة من التجربة، لا الاكتفاء بما دُرِّب عليه مسبقاً.
  • اللغة الطبيعية (natural language): الفهم والتواصل بلغة البشر فهماً حقيقياً لا سطحياً.
  • الدمج بين هذه كلّها لإنجاز أهدافٍ مركّبة — وهذا أصعبها، إذ لا يكفي أن يمتلك النظام كل ملَكةٍ منفردة، بل أن يوظّفها معاً كما يفعل الإنسان تلقائياً.

ويضيف بعض الباحثين ملَكاتٍ أوسع كالخيال والاستقلالية والقدرة على الإحساس والفعل في العالم المادّي (عبر الرؤية الحاسوبية والروبوتات). وقد اقترح فريقٌ من DeepMind مطلع 2026 إطاراً يعدّد عشر ملَكاتٍ معرفية يراها ضرورية للذكاء العامّ — منها الإدراك، والاستدلال، والذاكرة، والتعلّم، والانتباه، والإدراك الاجتماعي — بمعيارٍ صريح: أن يبلغ النظام أداء الإنسان البالغ المتوسّط في كلٍّ منها، لا في بعضها.

كيف نعرف أنّ آلةً بلغت AGI؟ اختباراتٌ مقترحة

اقترح الباحثون على مرّ العقود اختباراتٍ عملية تحاول قياس هذا الاتّساع. أشهرها وأقدمها اختبار تورنغ (Turing Test) الذي اقترحه آلان تورنغ عام 1950: يحاور قاضٍ بشريٌّ طرفَين لا يراهما — إنساناً وآلة — عبر النصّ، فإن عجز عن تمييز الآلة من الإنسان بنسبةٍ معتبرة، عُدّت الآلة ناجحة. وقد صار هذا الاختبار محلّ نقاشٍ بعد أن نجحت فيه نماذج اللغة الحديثة إلى حدٍّ لافت (حُكِم على أحد النماذج عام 2025 بأنه الإنسان في 73% من محادثاتٍ نصّية قصيرة)، ممّا كشف أنّ إقناع محاورٍ بشريّ عبر النصّ شيء، وامتلاك ذكاءٍ عامّ حقيقيّ شيءٌ آخر.

ولهذا اقترح آخرون اختباراتٍ أكثر التصاقاً بالعالم الحقيقي:

  • اختبار القهوة (Coffee Test)، المنسوب إلى ستيف وُزنياك: أن تدخل الآلة منزلاً لم ترَه من قبل، وتجد آلة القهوة، وتشغّلها وتُعدّ فنجاناً — وهي مهمّةٌ تبدو تافهة لكنها تتطلّب إدراكاً بصرياً وتخطيطاً وتعاملاً مع بيئةٍ مجهولة.
  • اختبار طالب الجامعة (Robot College Student Test): أن يلتحق النظام بجامعةٍ ويجتاز مقرّراتها وينال شهادةً كإنسان.
  • اختبار التوظيف (Employment Test): أن يؤدّي عملاً اقتصادياً حقيقياً بمستوى موظّفٍ بشري. وقد صاغ مصطفى سليمان (Mustafa Suleyman) نسخةً حادّة منه: أن يُعطى النظام مبلغاً محدوداً من المال (مئة ألف دولار مثلاً) ويُطلَب منه أن ينمّيه إلى مليون دولار بمفرده.

وهناك اختبارٌ حديثٌ يستهدف جوهر التعميم تحديداً: ARC-AGI، الذي وضعه الباحث فرانسوا شوليه (François Chollet) عام 2019، مبنيّاً على تعريفٍ للذكاء بأنه كفاءة اكتساب المهارة في مهامّ جديدة لم تُرَ من قبل. يعرض الاختبار على النظام شبكاتٍ ملوّنة صغيرة تتبع قاعدةً خفيّة، ثم يطلب منه تطبيق القاعدة على مثالٍ جديد. والفجوة هنا كاشفة: يحلّ الإنسان النسخة الثانية من الاختبار بنسبة 60% تقريباً في المتوسط، بينما بقيت أقوى النماذج حتى 2025 تحت 5%. هذا الفارق الهائل هو أوضح دليلٍ عمليٍّ على أنّ نماذج اليوم، مهما بدت بارعة، ما زالت بعيدةً عن التعميم الحقيقيّ الذي يميّز الذكاء العامّ.

كيف يُقاس التقدّم؟ «مستويات AGI»

لأنّ AGI ليس حالةً واحدة بل طيفاً من القدرة، اقترح فريقٌ من DeepMind أواخر 2023 إطاراً يقسّم الطريق إليه إلى خمسة مستويات متدرّجة بحسب مقارنة أداء النظام بالبشر البالغين المهرة:

  • الناشئ (Emerging): يضاهي إنساناً غير ماهر أو يفوقه قليلاً. وهنا تُصنَّف نماذج اللغة الكبيرة اليوم.
  • الكفء (Competent): يتفوّق على 50% من البالغين المهرة في نطاقٍ واسع من المهام غير الجسدية.
  • الخبير (Expert): يبلغ الشريحة الأعلى (المئين التسعين) من المهرة.
  • الاستثنائي (Exceptional): يبلغ المئين التاسع والتسعين، فيتفوّق على شبه الجميع.
  • الخارق (Superhuman): يتجاوز كلّ البشر — وهذا يلتقي مع الذكاء الخارق (ASI).

الفائدة من هذا التدريج أنه يحوّل سؤال «هل بلغنا AGI؟» من نعم/لا حادّ إلى مقياسٍ متدرّج. وبحسب هذا الإطار، تقف أنظمة اليوم — بما فيها نماذج DeepMind نفسها — عند المستوى الأول «الناشئ» على المسار العامّ، أي في بداية الطريق لا نهايته.

مغالطتان شائعتان حول AGI

تحيط بهذا المصطلح مفاهيم خاطئة متكرّرة، أخطرها اثنتان:

الأولى: أنّ AGI يعني آلةً واعيةً تشعر وتريد. الذكاء العامّ يُقاس بالقدرة على أداء المهام الذهنية، لا بامتلاك وعيٍ أو مشاعر أو إرادةٍ ذاتية. نظامٌ قد يبلغ AGI ويحلّ المشكلات بمستوى الإنسان دون أن يكون في داخله أيّ «تجربةٍ واعية» على الإطلاق. الخلط هنا موروثٌ من عبارة «الذكاء القويّ» بمعناها الفلسفيّ القديم، لكنّ AGI بمعناه الهندسيّ ينفصل عن هذا تماماً.

الثانية: أنّ AGI قادمٌ حتماً وقريباً، وأنّ كل تقدّمٍ في نماذج اليوم خطوةٌ حتمية نحوه. هذا ما يسمّيه النقّاد «مغالطة الخطوة الأولى (first-step fallacy)»: أن تظنّ أنّ تسلّقك شجرةً يقرّبك من القمر لأنك ارتفعت قليلاً. صعود قدرات النماذج الحالية مبهرٌ فعلاً، لكنه لا يعني بالضرورة أننا نسير على الطريق نفسه المؤدّي إلى AGI. فكثيرٌ من الباحثين يرون أنّ ما ينقص نماذج اليوم — كالتعميم الحقيقيّ وفهم العالم — قد يتطلّب أنماطاً معمارية جديدة كلياً، لا مجرّد تكبير النماذج الحالية.

لماذا نماذج اليوم ليست AGI؟

توحي براعة روبوتات المحادثة للوهلة الأولى بأنها «ذكاءٌ عامّ»، لكنّ نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) تعمل بآليةٍ تفسّر حدودها.

هذه النماذج في جوهرها متنبّئات بالكلمة التالية (next-token predictors): دُرِّبت على كمياتٍ هائلة من النصوص لتتوقّع أرجح كلمةٍ تلي ما سبقها، بناءً على أنماطٍ إحصائية التقطتها من بيانات التدريب. هذه الآلية بارعةٌ إلى حدٍّ مذهل في المهام التي رأت أمثلةً كثيرة منها، لكنها تكشف عن ثلاث حدودٍ جوهرية تفصلها عن الذكاء العامّ.

أوّلها ضعف التعميم على الجديد حقاً. حين تواجه النماذج مشكلةً تختلف جوهرياً عن نمط ما رأته في التدريب، يتعثّر أداؤها — وهو بالضبط ما يقيسه اختبار ARC-AGI حين تسقط النماذج تحت 5% بينما ينجح الإنسان. الاستدلال الذي تُظهره غالباً ما يكون مقيّداً ببيانات التدريب، لا اشتقاقاً حقيقياً لقاعدةٍ جديدة.

وثانيها غياب «نموذج العالم» (world model). الإنسان يحمل في ذهنه تصوّراً لكيفية عمل الأشياء في الواقع، يسمح له بالاستدلال البديهيّ والتنبّؤ بالنتائج. نماذج اليوم لا تملك هذا الأساس المتين، ولهذا تقع أحياناً في الهلوسة (hallucination): توليد معلوماتٍ خاطئة بثقةٍ تامّة، لأنها تولّد ما يبدو نصّاً محتملاً لا ما تعرف أنه صحيح.

وثالثها انعدام الذاكرة المستمرّة والتعلّم الحيّ. النموذج لا يتعلّم من تفاعلاته أثناء الاستعمال، ولا تنمو معرفته لحظياً كما ينمو فهم الإنسان بالخبرة؛ فمعرفته مجمّدةٌ عند لحظة تدريبه. ولهذا يرى باحثون بارزون على رأسهم يان لوكون (Yann LeCun) أنّ بلوغ AGI قد يحتاج معماريّاتٍ تدمج الذاكرة والتخطيط ونمذجة العالم بطرقٍ لا تفعلها النماذج الحالية بطبيعتها.

أين تلتقي هذا المصطلح، ولماذا يهمّك؟

لم يعد AGI مصطلحاً أكاديمياً محصوراً في أوراق البحث، بل صار محور نقاشٍ عامّ يمسّ مستقبل الوظائف والاقتصاد والتقنية، وتتصدّر أسماء الشركات ادّعاءاتٍ متضاربة حول بلوغه.

وأوضح مثالٍ على هذا التضارب جرى مطلع 2026. ففي مقابلةٍ مع ليكس فريدمان (Lex Fridman) في مارس 2026، أعلن جنسن هوانغ (Jensen Huang) رئيس شركة Nvidia صراحةً: «أظنّ أننا بلغنا AGI الآن». لكنّ إعلانه هذا جاء بعد أن كان قد قدّر قبل عامين فقط أنّ الأمر يبعد خمس سنوات — ما يشير إلى أنّ ما تغيّر ليس قدرات الآلة قفزةً هائلة، بل تعريفه هو للمصطلح ليطابق قدرات اليوم. وهذا لبّ المشكلة: حين يكون التعريف مطّاطاً، يصير «بلوغ AGI» ادّعاءً يمكن إثباته أو نفيه بحسب المعيار الذي تختاره.

وحتى داخل الشركات الرائدة يظهر هذا الاضطراب. فسام ألتمان (Sam Altman) رئيس OpenAI كتب مطلع 2025 أنّ شركته «باتت واثقةً من كيفية بناء AGI»، لكنه في الجملة نفسها وصف المصطلح بأنه «مصطلحٌ فضفاض جداً». بل إنّ تعريف OpenAI الأصلي (2018) ربط AGI بأداءٍ اقتصاديّ — «أنظمةٌ تتفوّق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية» — بينما ورد في عقدها مع مايكروسوفت تعريفٌ ماليّ صرف يربط بلوغ AGI بتوليد مئة مليار دولار من الأرباح.

يكشف هذا التضارب تحوّل AGI أحياناً إلى شعارٍ تسويقيّ أكثر منه مصطلحاً علمياً منضبطاً. وقد صار بعض الباحثين يتجنّبونه لغموضه، ويفضّلون الحديث عن قدراتٍ محدّدة قابلة للقياس بدل هدفٍ واحد فضفاض. وحين يُعرَف أنّ لا تعريف متّفقاً عليه، تُقرأ عناوين «فلانٌ يعلن بلوغ AGI» بوصفها ادّعاءً مشروطاً بتعريفٍ معيّن، لا حقيقةً محسومة.

القيود والجدل: هل نبلغه أصلاً؟

لا تحسم الادّعاءات المتفائلة موعد بلوغ AGI أو إمكانه أصلاً.

على صعيد التوقّعات، تباينت التقديرات تبايناً حادّاً. استطلاعاتٌ للباحثين حول 2012–2013 وضعت الوسيط لبلوغ AGI باحتمال 50% بين 2040 و2050، بينما أجاب نحو 16.5% منهم بأنه «لن يحدث أبداً». ولوحظ نمطٌ لافت: كثيرٌ من التوقّعات عبر التاريخ تضع AGI على بُعد 15 إلى 25 سنة من لحظة التوقّع نفسها — وهي مسافةٌ «قريبةٌ بما يُغري، وبعيدةٌ بما يُعذَر». وقد أخطأ روّاد المجال في هذا مبكّراً: توقّع هربرت سايمون (Herbert Simon) عام 1965 أنّ الآلات ستؤدّي أيّ عملٍ يؤدّيه الإنسان «خلال عشرين عاماً»، وهو ما لم يتحقّق.

وعلى صعيد الإمكان نفسه، يشكّك باحثون في أنّ الطريق الحاليّ يوصل إلى AGI أصلاً. رأى بول ألن (Paul Allen)، المؤسّس المشارك لمايكروسوفت، أنّ AGI مستبعدٌ في القرن الحادي والعشرين لأنه يحتاج «اختراقاتٍ جوهرية غير متوقّعة». وشبّه آخرون الفجوة بين حوسبة اليوم وAGI بالفجوة بين رحلات الفضاء الحالية والسفر الأسرع من الضوء.

يبقى AGI فكرةً محورية في تاريخ الذكاء الاصطناعي وطموحه الأصلي، لكنه يظلّ هدفاً افتراضياً لم يُبلَغ، وقد لا يُبلَغ على الطريق الحاليّ. والتمييز الأهمّ هنا أنّ الذكاء الضيّق البارع في مهمّة ليس ذكاءً عامّاً، وأنّ العموم — لا مجرّد القوّة — هو المعيار؛ فأيّ ادّعاءٍ ببلوغ AGI يستدعي سؤالاً مباشراً: بأيّ تعريف؟

قد تُعجبك هذه المشاركات

4419914284293787151

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث