CoMaps: خريطة تعمل بلا إنترنت ولا تتبُّع، يبنيها مجتمعٌ لا شركة

تاريخ النشر: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة

تخيّل أنك تسير في وادٍ جبليّ لا تغطية فيه، أو وصلت لتوّك إلى بلدٍ لم تشترِ فيه شريحة بيانات بعد، أو أنك ببساطة لا تريد أن يعرف تطبيقٌ ما أين كنت كل دقيقة من يومك. في هذه المواقف الثلاثة يفشل نموذج الخرائط السحابية المعتاد — الذي يحمّل كل شيء من الشبكة لحظةً بلحظة، ويرسل موقعك إلى خوادم الشركة في المقابل.

CoMaps تطبيقٌ يحلّ هذه المعضلة من جذرها: خريطةٌ كاملةٌ للعالم تُنزّلها مرّةً إلى هاتفك، فتعمل بعدها بلا إنترنت — بحثاً عن الأماكن، وتخطيطاً للمسارات، وملاحةً صوتية خطوةً بخطوة — معتمدةً على حسّاس GPS في جهازك وحده. وفي المقابل لا تدفع شيئاً، ولا ترى إعلاناً، ولا يُجمَع عنك أيّ بيان.

القصة الأعمق أن CoMaps نتاج انشقاقٍ مجتمعيّ حدث في 2025 داخل مشروع Organic Maps، حين اختلف المطوّرون مع مالكيه على المال والشفافية والسيطرة.

CoMaps: تطبيق الخرائط الذي يعمل بلا إنترنت ولا يتجسّس عليك

كيف تعمل خريطةٌ بلا إنترنت؟

الفكرة التي يقوم عليها CoMaps بسيطةٌ: بدل أن تسحب الخريطة من الشبكة كلّما تحرّكت، تُنزِّلها كاملةً مرّةً واحدة إلى ذاكرة الهاتف، ثم تعمل منها. ويعتمد هذا التنفيذ على ثلاث آليات تفسّر معاً لماذا يعمل التطبيق أوفلاين، ولماذا يوفّر بطاريتك، ولماذا لا يعرف عنك شيئاً.

بيانات الخريطة تأتي من OpenStreetMap

خرائط CoMaps ليست ملكاً له، بل مأخوذةٌ من OpenStreetMap (OSM) — وهي خريطةٌ عالمية مفتوحة يبنيها متطوّعون من كل العالم، أشبه بـ«ويكيبيديا الخرائط»: الطرق والمباني والمتاجر والمسارات الجبلية وأسماء الشوارع، كلّها يضيفها ويصحّحها أشخاصٌ عاديون. هذا يعني أن تغطية منطقتك ودقّتها تعتمدان على نشاط المتطوّعين فيها، وأن بإمكانك أنت نفسك تصحيح أي خطأٍ تراه في الخريطة.

الخريطة تُخزَّن مضغوطةً في ملفٍ لكل بلد

لا يُنزّل التطبيق «صور خرائط» كالتي تراها على الشاشة، بل يُنزّل بيانات الخريطة مضغوطةً في ملفٍ خاصّ لكل بلد أو منطقة (بامتداد .mwm). وهذا الملف لا يحوي صوراً جاهزة، بل إحداثيات ومعلومات: هذا الطريق يمرّ هنا، وهذا المبنى اسمه كذا، وهذه نقطة اهتمام من نوع «مطعم». حين تفتح الخريطة، يرسم التطبيق كل ما تراه لحظياً من هذه البيانات — وهذا ما يُسمّى الخريطة المتّجهة (vector map).

ولهذا الأسلوب فائدتان ملموستان. الأولى أن حجم البيانات صغيرٌ نسبياً، فبلدٌ كامل قد يكون في عشرات أو مئات الميغابايت لا غيغابايتات، لأن وصف طريقٍ بإحداثياته أخفّ بكثير من تخزين صورةٍ له. والثانية أنك تستطيع التكبير والتصغير وتدوير الخريطة بسلاسة دون أن تصبح ضبابية، لأن التطبيق يعيد رسمها من البيانات في كل مستوى تكبير، لا يعرض صورةً ثابتة.

الملاحة والبحث يجريان داخل الهاتف

بعد أن صارت بيانات البلد كاملةً في جهازك، تصبح كل العمليات محلّية لا تحتاج شبكة. فحين تبحث عن «أقرب صيدلية»، يفتّش التطبيق في بيانات الخريطة المخزّنة عندك ويجد النتيجة. وحين تطلب مساراً من نقطةٍ إلى أخرى، يحسب الطريق حسابياً داخل الهاتف من شبكة الطرق المخزّنة، معتمداً على موقعك الذي يأتي من حسّاس GPS مباشرةً — وحسّاس GPS يعمل بالأقمار الصناعية، لا بالإنترنت، فيحدّد موقعك حتى في وسط صحراءٍ بلا أيّ إشارة اتصال.

وهذا يفسّر طول عمر البطارية أثناء استخدام التطبيق. فتطبيقات الملاحة السحابية تُبقي اتصال البيانات نشطاً طوال الرحلة لتحميل مقاطع الخريطة ومراسلة الخوادم باستمرار، وهو ما يستنزف طاقة الجهاز. أمّا CoMaps فلا يرسل ولا يستقبل بايتاً واحداً أثناء الملاحة، فيبقى راديو الهاتف صامتاً وتدوم البطارية لرحلةٍ طويلةٍ على شحنةٍ واحدة.

لماذا لا يعرف عنك شيئاً؟

الوعد بالخصوصية في CoMaps ليس مجرّد سياسةٍ مكتوبة، بل نتيجةٌ مباشرة لبنيته التقنية. فالتطبيق الذي لا يحتاج إنترنت للعمل لا يملك أصلاً قناةً يرسل عبرها بياناتك. لا يطلب منك إنشاء حساب، ولا يربط استعمالك بهويّة، ولا يحتفظ بسجلّ أماكنك على خادمٍ بعيد — لأنه لا خادم أصلاً في المعادلة أثناء استعمالك.

ولأن الادّعاء بالخصوصية سهلٌ والتحقّق منه صعب، خضع CoMaps لتدقيقٍ من Exodus Privacy — وهي منظّمة مستقلّة تفحص تطبيقات أندرويد وتكشف ما بداخلها من مُتتبِّعات (trackers)، أي القطع البرمجية التي تُدسّ عادةً في التطبيقات لجمع بيانات المستخدم وإرسالها لشركات الإعلان والتحليلات. جاءت نتيجة الفحص أن التطبيق خالٍ من هذه المُتتبِّعات تماماً — وهو ما يمنح الوعد سنداً من طرفٍ ثالثٍ محايد، لا مجرّد ادعاءات المطوّرين.

من أين جاء CoMaps؟ حكاية انشقاقٍ عن Organic Maps

لم يُبنَ CoMaps من الصفر. هو نسخةٌ متفرّعة (fork) من تطبيقٍ سابقٍ اسمه Organic Maps — و«التفرّع» في عالم البرمجيات مفتوحة المصدر يعني أن يأخذ فريقٌ الكود المصدري الكامل لمشروعٍ قائم، ويكمل تطويره باسمٍ جديد واتّجاهٍ مستقلّ. وهذا الحقّ مكفولٌ قانونياً في البرمجيات الحرّة، وهو صمّام الأمان الذي يحمي المجتمع حين يختلف مع من يدير المشروع. لكن لماذا اضطُرّ مجتمعٌ كامل إلى هذا الانشقاق؟

الجذر خلافٌ على الحوكمة والمال والشفافية. كان Organic Maps يُقدَّم بوصفه مشروعاً «يقوده المجتمع»، لكن القرارات الكبرى — المالية منها والشراكات وإدخال مكوّناتٍ غير مفتوحة في الكود — كانت تُتّخذ فعلياً من دائرةٍ ضيّقة من المساهمين المالكين، غالباً دون الرجوع إلى المطوّرين المتطوّعين الذين يبنون التطبيق فعلاً.

وتراكمت شرارات الخلاف حادثةً بعد أخرى. أُدخِل في التطبيق زرٌّ يربط قوائم الفنادق بخدمة حجزٍ خارجية (Kayak) مقابل عمولةٍ للمشروع، وهو ما رآه المجتمع خرقاً لروح تطبيقٍ يُفترض أنه بلا مصالح تجارية، خاصّةً أنه أُقِرّ دون تشاور. ثم تبيّن لاحقاً إدخال مكوّنات برمجية مغلقة المصدر (proprietary) في الكود دون إجماع. وتصاعد الأمر إلى اتهاماتٍ متبادلة، بلغت حدّ الشكوى من أن أحد المالكين أنفق من أموال التبرّعات على مصاريفه الشخصية، مع رفضٍ دائمٍ لإطلاع بقيّة المساهمين على تفاصيل المشروع المالية.

في 16 أبريل 2025 أرسلت مجموعةٌ من المساهمين في التطوير رسالةً مفتوحة إلى مالكي المشروع، تطالب بحوكمةٍ شفّافة وبضمانٍ ألّا يتحوّل المشروع إلى كيانٍ ربحيّ. وحين لم تُفضِ المفاوضات إلى تنازل المالكين عن سيطرتهم، اتّخذ المجتمع قراره: نسخ الكود إلى مستودعٍ جديد على منصّة Codeberg في أواخر أبريل، وفتح باب التبرّعات الشفّافة عبر Open Collective، وإطلاق تصويتٍ عامّ على اسم المشروع الجديد استقرّ على «CoMaps» في 20 مايو 2025.

والفارق الجوهريّ بين المشروعين ليس تقنياً في الأساس، بل في من يملك القرار. بنى CoMaps نفسه على خمسة مبادئ معلَنة: الشفافية، وصنع القرار جماعياً، وعدم الربحية والعمل للمصلحة العامّة، والانفتاح الكامل للمصدر، والخصوصية. القرارات التنظيمية تُتّخذ علناً في مستودعٍ مخصّص للحوكمة، والمالية تُدار بشفافيةٍ عبر Open Collective حيث يرى الجميع أين يذهب كل تبرّع.

ما الذي يقدّمه فعلاً؟ ملاحةٌ لثلاثة أنماط تنقّل

CoMaps ليس تطبيق قيادةٍ فقط، بل مصمَّمٌ لثلاثة أنماطٍ من التنقّل: المشي والدرّاجات والسيّارة، ولكلٍّ منها حساب مسارٍ يناسبه. فمسار الدرّاجة يفضّل الطرق الآمنة للدرّاجات، ومسار المشي يعرف الممرّات التي لا تسلكها السيّارات، ومسار القيادة يتّبع الطرق المعبّدة. ويعطيك في كلٍّ منها توجيهاً صوتياً خطوةً بخطوة كالذي تعرفه من تطبيقات الملاحة المعتادة.

وبحكم اعتماده على OpenStreetMap، يبرع التطبيق خصوصاً في المسارات خارج المدن: دروب المشي الجبليّ (hiking)، ومسارات الدرّاجات، وخطوط الكنتور (contour lines) التي تُظهر ارتفاعات التضاريس — وهي تفاصيلٌ غالباً ما تكون أدقّ في OpenStreetMap منها في الخرائط التجارية، لأن مجتمع الهُواة يوثّقها بعناية. كما يعرض معلوماتٍ غنيّة عن نقاط الاهتمام حين تكون متوفّرة في الخريطة: ساعات العمل، وأرقام الهواتف، وحتى تاريخ آخر تحقّقٍ من صحّة البيانات.

وأهمّ ما يميّز فلسفة المشروع أنّ الخريطة قابلةٌ للتصحيح من داخل التطبيق. فإن وجدت متجراً أُغلق، أو اسم شارعٍ خاطئاً، أو نقطةً ناقصة، تستطيع تعديلها مباشرةً (بعد ربط التطبيق بحساب OpenStreetMap مجاني)، فيذهب تعديلك إلى الخريطة العالمية ويستفيد منه كل المستخدمين. هنا يتحوّل المستخدم من مستهلكٍ للخريطة إلى مساهمٍ في بنائها.

قيود التطبيق

رغم قوة CoMaps في مجاله، له قيودٌ حقيقية يجب أن يعرفها من يفكّر في الاعتماد عليه بديلاً كاملاً عن Google Maps أو Waze.

أبرز قيدٍ هو غياب معلومات الازدحام (traffic) اللحظية. فالتطبيق لا يعرف أين يقف السير الآن، لأن معرفة ذلك تتطلّب جمع مواقع ملايين المستخدمين لحظياً على خادمٍ مركزي — وهو بالضبط ما يرفضه CoMaps حفاظاً على الخصوصية. فالثمن الذي تدفعه مقابل الخصوصية هو ألّا يستفيد التطبيق من تتبّع مواقع الآخرين لحساب اختناقات المرور.

وثاني القيود أن تخطيط المسار أبسط من نظرائه التجاريين. فقد يرشدك أحياناً عبر طريقٍ مزدحمٍ أو غير مثاليّ، لأنه يحسب أقصر أو أسرع طريقٍ نظرياً من شبكة الطرق، دون بيانات الواقع اللحظية التي تصقل اختيار Google Maps. كما يلاحظ بعض المستخدمين أن حركة المؤشّر على الخريطة أثناء القيادة قد تبدو متقطّعة قليلاً، وأن فقدان إشارة GPS في الأنفاق يسبّب قفزةً في الموقع بدل تقديرٍ سلسٍ لمكانك — وهي تفاصيل تصقلها تطبيقات الملاحة المتخصّصة بخوارزمياتٍ إضافية.

الخلاصة أن CoMaps ممتازٌ للبحث السريع عن الأماكن، وللملاحة أوفلاين في السفر، وللمسارات الجبلية وركوب الدرّاجات، ولكل من يقدّم الخصوصية على الميزات. أمّا من يقود يومياً في مدينةٍ مزدحمة ويعتمد على تفادي الاختناقات لحظياً، فقد يجد أن غياب بيانات الازدحام قيدٌ يصعب تجاوزه.

توفّر التطبيق ومستقبله

CoMaps متاحٌ مجاناً على أوسع نطاق: متجر Google Play ومتجر App Store لأجهزة آيفون، ومتجر F-Droid المتخصّص في التطبيقات مفتوحة المصدر، ومنصّة Flathub لأنظمة لينكس، ومباشرةً من مستودعه على Codeberg. ويدعم أندرويد وiOS وسطح مكتب لينكس وماك.

وأوضح دليلٍ على أنّ المشروع تجاوز طور «التجربة» اختيارُ نظام CalyxOS — وهو نظام تشغيل أندرويد يركّز على الخصوصية — لـ CoMaps ليكون تطبيق الخرائط الافتراضيّ فيه في مايو 2026، بديلاً عن Organic Maps نفسه، كما اختاره نظام iodéOS المماثل.

ويشترك المشروعان المتفرّعان حتى الآن في القاعدة نفسها من الكود، ويمكن نظرياً أن يتبادلا التحسينات (خاصة مع ترخيص CoMaps مفتوح المصدر). لكن مع تباعد الفريقين، يُتوقّع أن تتباعد الخريطتان تقنياً بمرور الوقت. وقد أثبت هذا الانشقاق أنّ حقّ التفرّع في البرمجيات الحرّة ليس تفصيلاً قانونياً فحسب، بل الضمانة الأخيرة التي تجعل مجتمعاً من المتطوّعين قادراً على استعادة مشروعٍ يرى أنه انحرف عن أهدافه الأصلية.

حمّل التطبيق مجاناً وجرّبه، أو اطّلع على مصدره المفتوح:

حمّل CoMaps الموقع الرسمي الكود المصدري
التصنيفات

قد تُعجبك هذه المشاركات

4419914284293787151

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث