تفتح المتصفّح، تكتب اسم موقع، فتظهر الصفحة في أقلّ من ثانية. خلف هذه اللحظة العادية تجري رحلةٌ تعبر قارّاتٍ وأجهزةً لا تُحصى، لكنّ أوّل سؤالٍ ينبغي أن نجيبه قبل أيّ تفصيل هو أبسطها وأكثرها إهمالاً: ما هذا «الإنترنت» الذي نتّصل به كلّ يوم؟ أين هو؟ ومن يملكه؟
الصورة التي تتكوّن في ذهن كثيرين خاطئة: يتخيّلون الإنترنت حاسوباً واحداً عملاقاً في مكانٍ ما، أو سحابةً تطفو في السماء، أو شركةً كبرى تديره وتملكه. لا شيء من هذا صحيح؛ والحقيقة أبسط.

الإنترنت شبكةٌ من الشبكات
قبل أن نفهم الإنترنت، نحتاج أن نفهم ما الشبكة (network) أصلاً.
الشبكة في أبسط صورها مجموعةُ أجهزةٍ وُصِل بعضها ببعض لتتبادل البيانات: حاسوبك وطابعتك وهاتفك في البيت، حين ترتبط ببعضها فتشارك الملفّات، تكوّن شبكةً صغيرة.
هذه الشبكة المحدودة في مكانٍ واحد — بيت، أو مكتب، أو مبنى — تُسمّى الشبكة المحلّية (LAN)، اختصاراً لـ Local Area Network. وكلّ جهازٍ متّصلٍ بها (حاسوباً أو هاتفاً أو طابعة) يُسمّى عُقدة (node).
غير أنّ شبكةً محلّية واحدة تبقى معزولةً عن العالم.
أجهزةُ بيتك تتفاهم فيما بينها، لكنّها لا تصل إلى جهازٍ في بيتٍ آخر، فضلاً عن بلدٍ آخر.
فماذا لو وصلنا شبكةً بشبكة؟ نربط شبكة بيتك بشبكة جارك، وشبكة حيّك بشبكة مدينتك، وشبكة بلدك بشبكات العالم — عندئذٍ تصير كلُّ هذه الشبكات المستقلّة قادرةً على التخاطب، لا لأنّها ذابت في شبكةٍ واحدة، بل لأنّها اتّصلت وبقيت كلٌّ منها قائمةً بذاتها.
هذا بالضبط ما الإنترنت: شبكةٌ من الشبكات (network of networks).
ليس شبكةً عملاقةً واحدة، بل ملايين الشبكات المستقلّة — شبكةُ جامعةٍ هنا، وشبكةُ شركةٍ هناك، وشبكةٌ منزلية في كلّ بيت — ارتبط بعضها ببعض حتى صارت، من حيث المجموع، بنيةً عالمية واحدة.
الكلمة نفسها تحمل هذا المعنى: «إنترنت» (Internet) أصلها inter-network، أي «ما بين الشبكات» أو «الشبكة البينية». الاسم يصف الفكرة: لا شبكة، بل ما يقع بين الشبكات ويصل بينها.
ولأنّ الإنترنت مجموعُ شبكاتٍ لا شبكةٌ مفردة، فلا وجود لـ«مركزٍ» له تنطلق منه البيانات أو تعود إليه. حين ترسل رسالةً إلى صديقٍ في الطرف الآخر من الأرض، لا تمرّ عبر حاسوبٍ رئيسيّ يجلس في قلب العالم؛ بل تنتقل من شبكةٍ إلى شبكةٍ إلى شبكة، تقفز بين نقاط اتّصالٍ كثيرة حتى تبلغ وجهتها.
هذه البنية الموزّعة (distributed) — التي تنتشر فيها المسؤولية على نقاطٍ لا حصر لها بدل أن تتجمّع في نقطةٍ واحدة — هي عكس البنية المركزية (centralized) التي يتحكّم فيها مركزٌ واحد بكلّ شيء.
وهذه البنية الموزّعة هي الفكرة التي وُلد منها الإنترنت أصلاً.
لا مالك له، لكنّه ليس فوضى
إن كان الإنترنت شبكاتٍ مستقلّةً كثيرة لا مركز لها، فمن يملكه؟
الجواب: لا أحد يملك الإنترنت بوصفه كِياناً واحداً. لا شركة، ولا حكومة، ولا فرد. ما يملكه الناسُ والمؤسّسات هو أجزاؤه: هذه الشركة تملك كابلاتها وخوادمها، وتلك الجامعة تملك شبكتها، ومزوّدُ الخدمة يملك بنيته التي يوصل بها البيوت. لكنّ الإنترنت كمجموعٍ — الشبكةَ البينية التي تصل هذه الأجزاء كلّها — لا يملكه أحد.
إن لم يكن لأحدٍ سلطةٌ على الكلّ، فكيف لا يتحوّل هذا كلّه إلى فوضى؟ كيف تتفاهم شبكةٌ في اليابان مع أخرى في البرازيل دون سابق تنسيق؟ السرّ يكمن في البروتوكول (protocol).
البروتوكول مجموعةُ قواعد مشتركة تتّفق كلُّ الأجهزة على اتّباعها حين تتخاطب.
تخيّل أنّ أهلَ الأرض كلّهم قرّروا أن يتكاتبوا بلغةٍ واحدة، متّفقين على حروفها وقواعدها؛ عندئذٍ يستطيع أيُّ اثنين — وإن لم يلتقيا ولم يتواعدا — أن يتراسلا ويتفاهما، لأنّ كليهما يلتزم القواعد نفسها.
البروتوكول هو هذه «اللغة المشتركة» للأجهزة: قواعدُ صارمة تحدّد كيف تُصاغ البيانات، وكيف تُعنون، وكيف تُرسَل وتُستقبَل. وما دام كلُّ جهازٍ على الإنترنت يلتزم هذه البروتوكولات، فإنّه يستطيع التخاطب مع أيّ جهازٍ آخر يلتزمها، مهما اختلف صانعُه أو موقعُه.
كيف بدأت الفكرة: من ARPANET إلى الإنترنت
لم يظهر الإنترنت دفعةً واحدة، بل نبت من فكرةٍ عمرها أكثر من ستّين عاماً؛ وقصة بدايته توضّح لماذا صُمّم موزّعاً بلا مركز.
في أوائل ستّينيّات القرن الماضي، وفي ذروة الحرب الباردة، كانت شبكات الاتّصال قائمةً على مبدأٍ مركزيّ: كلُّ شيءٍ يمرّ عبر نقاطٍ رئيسية، فإذا ضُرِبت إحداها انهار جزءٌ كبير من الشبكة.
باحثٌ في مؤسّسة RAND اسمه Paul Baran طرح فكرةً مختلفة: ماذا لو صمّمنا شبكةً لا مركز لها، تنتشر فيها الطرقُ بين النقاط انتشاراً كثيفاً، فإذا تعطّلت نقطةٌ أو مسار، وجدت البياناتُ طريقاً آخر تسلكه؟
من هذه الحاجة إلى الصمود وُلدت فكرةٌ سمّاها تبديل الحِزم (packet switching): بدل أن تسافر الرسالةُ ككتلةٍ واحدة في مسارٍ محجوز، تُقسَّم إلى أجزاء صغيرة تسلك الشبكةَ كلٌّ منها على حدة (وطوّر العالِمُ البريطانيّ Donald Davies الفكرةَ نفسها مستقلّاً في المملكة المتّحدة، فحتى اسمُها «packet» من صياغته).
وهذا المبدأ هو ما يقوم عليه انتقالُ البيانات في الإنترنت اليوم.
هذه الفكرة تحوّلت من ورقٍ إلى واقع سنة ١٩٦٩، حين موّلت وكالةٌ أمريكية اسمها ARPA (وهي ذراع البحث في وزارة الدفاع، تُعرف اليوم بـ DARPA) بناءَ شبكةٍ سُمّيت ARPANET.
لم تُبنَ ARPANET سلاحاً، بل أداةً بحثية تتيح للعلماء في جامعاتٍ متباعدة أن يتشاركوا موارد حواسيبهم القليلة الغالية عن بُعد.
في التاسع والعشرين من أكتوبر ١٩٦٩، أُرسِلت أوّل رسالةٍ عبر هذه الشبكة، من حاسوبٍ في جامعة كاليفورنيا (UCLA) إلى حاسوبٍ في معهد ستانفورد للأبحاث. كان المفترض أن تكون الكلمةَ «LOGIN»، لكنّ النظام انهار بعد أوّل حرفين، فكانت أوّل رسالةٍ في تاريخ هذه الشبكة كلمةً مبتورة: «lo».
غير أنّ ARPANET كانت شبكةً واحدة، لا «شبكةَ شبكات» بعد. وسرعان ما نشأت شبكاتٌ أخرى بجانبها، كلٌّ بقواعدها الخاصّة، فوقفت بينها أسوارٌ تمنع التخاطب — كأمّةٍ لكلّ إقليمٍ فيها لغةٌ لا يفهمها الآخر.
ولم تصبح «إنترنت» فعلياً إلا حين صمّم باحثان في السبعينيّات، هما Vint Cerf وBob Kahn، لغةً مشتركة تستطيع بها أيُّ شبكةٍ أن تتفاهم مع أيّ شبكةٍ أخرى مهما اختلفت داخلياً: مجموعةُ البروتوكولات المعروفة بـ TCP/IP.
هذه البروتوكولات هي الأرض المشتركة التي مكّنت الشبكاتِ المنفصلة من أن تتّصل وتصير كِياناً واحداً — وهو ما تعنيه كلمة «internet» حرفياً: ربطُ الشبكات ببعضها (inter-networking). وفي الأوّل من يناير ١٩٨٣، اعتمدت ARPANET رسمياً هذه البروتوكولات، فصار ذلك اليوم يُعدّ نقطةَ الميلاد الحقيقية للإنترنت كما نعرفه: لا شبكةً واحدة، بل شبكاتٍ لا تُحصى تجمعها لغةٌ واحدة.
ما الذي بنيناه، وما الذي يليه
الآن صارت الصورة الكبرى في يدك. الإنترنت ليس شيئاً واحداً في مكانٍ واحد، بل شبكاتٌ مستقلّة لا تُحصى، منتشرةٌ حول الأرض، لا يملكها أحدٌ بمجموعها، تتّصل وتتفاهم لأنّها تلتزم قواعد مشتركة اسمها البروتوكولات. وهذه البنية الموزّعة ليست صدفة، بل نتيجةُ فكرةٍ قصدت الصمود منذ يومها الأوّل في ARPANET.
هذه هي الأرض التي تقوم عليها بقيّةُ الدورة. عرفنا أنّ الإنترنت شبكةٌ من الشبكات؛ لكنّ سؤالاً عملياً يبقى معلّقاً: كيف تتّصل شبكتان أصلاً؟ ما الذي يربط جهازاً بجهاز، ثم شبكةً بشبكة، على أرض الواقع بالكابلات والأجهزة؟ ذلك ما نبنيه لبنةً لبنة في الدرس التالي، حين نصنع الشبكة من الصفر: من كابلٍ واحدٍ يربط جهازين، إلى الجهاز الذي يصل شبكةً بشبكة.

