كيف يتّصل جهازان: من الكابل الواحد إلى المُوجِّه (router)

تاريخ النشر: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة

في الدرس السابق عرفنا أنّ الإنترنت شبكةٌ من الشبكات المستقلّة، وُصِل بعضها ببعض حتى بدت كِياناً واحداً. لكنّ هذا يبقى فكرةً مجرّدة ما لم نرَ كيف يتحقّق فعلاً بالكابلات والأجهزة. فما الذي يربط جهازاً بجهاز؟ وما الذي يجمع أجهزةً كثيرة في شبكة؟ وما الذي يصل شبكةً بشبكةٍ أخرى حتى تصير كلُّها إنترنتاً؟

لنبدأ من أصغر صورةٍ ممكنة، ثمّ نبني صعوداً لبنةً لبنة. تخيّل أنّ بين يديك حاسوبين، وتريد أن تنقل ملفاً من أحدهما إلى الآخر دون أن تمرّ بالإنترنت أصلاً. كيف يتّصل الجهازان؟

كيف يتّصل جهازان: من الكابل الواحد إلى المُوجِّه (router)

أبسط شبكة: جهازان وكابل واحد

الجواب أبسط ممّا تظنّ: كابلٌ واحد يربط الجهازين مباشرةً، ويكفي. هذا الكابل هو كابل الإيثرنت (Ethernet) — سلكٌ نحاسيّ يحمل البيانات بين الأجهزة على الشبكة المحلّية، وطرفاه القابس المألوف الذي تراه خلف الحاسوب وفي المُوجِّه المنزليّ. تصله من جهةٍ بالحاسوب الأوّل، ومن جهةٍ بالثاني، فتنشأ بينهما أصغرُ شبكةٍ يمكن أن توجد: عُقدتان (nodes) يصل بينهما خطٌّ واحد.

على أنّ الكابل وحده لا يكفي؛ فالجهاز يحتاج مَنفَذاً يتّصل به بالشبكة أصلاً. هذا المَنفَذ هو كرت الشبكة (NIC)، اختصاراً لـ Network Interface Card، وهو قطعةٌ عتادية داخل كلّ جهاز — مدمجةٌ في اللوحة الأمّ في الأجهزة الحديثة — مهمّتها أن توصل الجهاز بالشبكة وتترجم بياناته إلى إشاراتٍ تسري في الكابل. حين تنظر إلى المقبس الذي تدخل فيه كابل الشبكة، فأنت تنظر إلى منفذ (port) كرت الشبكة. ولكلّ كرت شبكةٍ في العالم عنوانٌ فريدٌ محفورٌ فيه من مصنعه يميّزه عن سواه — سنعود إليه بعد قليل حين نحتاجه.

بهذا القدر يتّصل جهازان: كرتُ شبكةٍ في كلٍّ منهما، وكابلٌ بينهما. ولهذا الوصل المباشر حكايةٌ من الماضي تكشف كيف صارت الأجهزة أذكى مع الوقت.

حكاية من الماضي

قديماً، لوصل حاسوبين مباشرةً من النوع نفسه، لم يكن أيُّ كابلٍ يفي بالغرض؛ كنت تحتاج كابلاً خاصاً يُسمّى الكابل المتقاطع (crossover)، تُعكَس فيه بعض الأسلاك عمداً ليصل «طرفَ الإرسال» في جهازٍ بـ«طرف الاستقبال» في الآخر. أمّا اليوم فالأجهزة تتولّى هذا التبديل داخلياً وحدها (بتقنية Auto‑MDI‑X)، فيكفيك أيُّ كابل إيثرنت عاديّ ويعمل. الكابل المتقاطع صار أثراً من الماضي، لكنّه يُذكّرنا أنّ ما تفعله الأجهزة تلقائياً اليوم كان يوماً عبئاً على المستخدم.

لماذا لا يكفي الوصل المباشر: انفجار الكابلات

جهازان يحتاجان كابلاً واحداً. فماذا لو أردنا أن نصل ثلاثة أجهزة، كلٌّ منها بكلّ الآخرين مباشرةً؟ نحتاج ثلاثة كابلات. وأربعة أجهزة؟ ستّة كابلات. وخمسة؟ عشرة. الأرقام تتصاعد أسرع بكثيرٍ ممّا يبدو، لأنّ كلّ جهازٍ جديد يجب أن يمدّ خطاً إلى كلّ من سبقه.

هذه الطريقة — أن يرتبط كلُّ جهازٍ بكلّ جهازٍ مباشرةً — تُسمّى البنية الشبكية المتشابكة (mesh)، وعدد الكابلات فيها يتبع قاعدةً بسيطة: لِـ n من الأجهزة تحتاج n×(n−1)÷2 من الكابلات. عشرةُ أجهزةٍ فقط تحتاج خمسةً وأربعين كابلاً، ومئةُ جهازٍ تقفز إلى ما يقارب خمسة آلاف. تخيّل مكتباً فيه مئة حاسوب، كلٌّ منها يحمل تسعةً وتسعين مقبساً في ظهره، وبينها آلافُ الأسلاك المتشابكة. الفكرة تنهار عملياً قبل أن تكبر الشبكةُ بقليل.

المشكلة واضحة إذن: الوصلُ المباشرُ بين الجميع لا يتوسّع. والحلّ يفرض نفسه — بدل أن نصل كلّ جهازٍ بكلّ جهاز، نصل كلَّ جهازٍ مرّةً واحدة بصندوقٍ في المنتصف يتولّى هو إيصال الرسائل بينها. فما هذا الصندوق، وكيف يعمل؟

تشبيه

الوصلُ المباشر بين كلّ جهازين كأن يمدّ كلُّ بيتٍ في حيٍّ خطَّ هاتفٍ مستقلاً إلى كلّ بيتٍ آخر: مع عشرة بيوتٍ تصير المدينة غابةً من الأسلاك. والحلّ نفسه في الحالتين: مقسمٌ مركزيّ يتّصل به الجميع مرّةً واحدة، فيُوصِل بينهم.

الموزّع ثمّ المُبدّل: كيف يجتمع الكثير في شبكةٍ واحدة

أوّل صندوقٍ ابتُكِر لهذا الغرض كان الموزّع (hub) — جهازٌ بسيط له عدّة منافذ، تصل بكلّ منفذٍ جهازاً بكابل. لكنّ الموزّع أعمى تماماً: حين تصله رسالةٌ من أحد الأجهزة، لا يعرف لمن هي، فيرسل نسخةً منها إلى كلّ المنافذ الأخرى دون تمييز. كلُّ جهازٍ يستقبل كلَّ رسالة، ثمّ يتجاهلها إن لم تكن موجّهةً إليه.

لهذا العمى ثمنان. الأوّل أنّه مُهدِر: إذا تحدّث جهازان في اللحظة نفسها تصادمت رسالتاهما في الأسلاك المشتركة، فوجب عليهما إعادة الإرسال، فتبطؤ الشبكة كلّما كثر عليها الكلام. والثاني أنّه غير آمن: ما دامت رسالتك تصل إلى كلّ جهازٍ على الموزّع، فبإمكان أيٍّ منها أن يتنصّت عليها. الموزّع يشبه غرفةً كلّما همس فيها أحدٌ بكلمةٍ أذاعها مكبّرُ صوتٍ على الجميع.

هنا جاء المُبدّل (switch) ليحلّ محلّ الموزّع تماماً — حتى إنّ الموزّع اليوم اختفى عملياً ولم يعد يُصنَّع إلا نادراً. المُبدّل يؤدّي الوظيفة نفسها — يجمع أجهزةً كثيرة في شبكةٍ واحدة — لكنّه ذكيٌّ حيث كان الموزّع أعمى: فهو يتعلّم أيّ جهازٍ يجلس على أيّ منفذ، فيوصل كلّ رسالةٍ إلى وجهتها وحدها.

وكيف يتعلّم؟ هنا نحتاج ذلك العنوان الفريد المحفور في كلّ كرت شبكة، واسمه عنوان MAC (MAC address) أو العنوان الفيزيائيّ — مُعرّفٌ يميّز كلّ كرت شبكةٍ على الشبكة المحلّية عن غيره، كرقمٍ تسلسليٍّ لا يتكرّر. كلُّ رسالةٍ تسري في الشبكة المحلّية تُغلَّف في وحدةٍ تُسمّى الإطار (frame)، يحمل في مقدّمته عنوان MAC للمُرسِل وعنوان MAC للمستقبِل. حين يمرّ إطارٌ بالمُبدّل، يقرأ المُبدّل عنوان المُرسِل ويسجّل في ذاكرته: «الجهاز صاحب هذا العنوان موجودٌ على هذا المنفذ». وشيئاً فشيئاً يبني جدولاً كاملاً (MAC table) يربط كلّ عنوانٍ بمنفذه. فإذا وصله بعد ذلك إطارٌ موجَّهٌ إلى جهازٍ يعرف مكانه، أرسله إلى منفذه وحده لا إلى بقيّة المنافذ.

نتيجةُ هذا الذكاء مكسبان يقابلان عيبَي الموزّع تماماً: لا تصادمَ يُبطئ الشبكة، لأنّ كلّ جهازٍ يتخاطب مع المُبدّل على خطٍّ خاصٍّ به يستطيع فيه الإرسال والاستقبال معاً؛ ولا تنصّتَ سهل، لأنّ رسالتك لا تُذاع على الجميع بل تُسلَّم إلى وجهتها. المُبدّل يشبه الغرفة نفسها، لكنّك تستطيع فيها أن تمشي إلى شخصٍ بعينه وتحدّثه وحده.

فكرة جوهرية

المُبدّل (switch) هو ما يجمع أجهزتك في شبكةٍ محلّية واحدة (LAN): يتعلّم مكان كلّ جهازٍ من عنوانه الفيزيائيّ (MAC)، ويوصل كلّ رسالةٍ إلى وجهتها وحدها بدل أن يذيعها على الجميع.

وبهذا نكون قد بنينا شبكةً محلّيةً كاملة: أجهزةٌ كثيرة، يجمعها مُبدّلٌ في شبكةٍ واحدة تتخاطب بكفاءةٍ وأمان. لكنّ هذه الشبكة، مهما كبرت، تبقى جزيرةً معزولة.

الجدار: لماذا يقف المُبدّل عند حدّ شبكةٍ واحدة

المُبدّل بارعٌ في عمله، لكنّ عمله محدودٌ بحدٍّ لا يتجاوزه: هو يعرف الأجهزة التي على شبكته المحلّية وحدها. كلُّ ما يفهمه عناوينُ MAC للأجهزة المتّصلة به مباشرةً أو عبر مُبدّلاتٍ أخرى في الشبكة نفسها؛ أمّا شبكةٌ أخرى مستقلّة — في مبنىً آخر، أو مدينةٍ أخرى، أو بلدٍ آخر — فلا يعرف عنها شيئاً، ولا سبيل له إلى الوصول إليها.

قد يخطر لك حلٌّ بديهيّ: وما المانع أن نصل العالم كلّه بمُبدّلاتٍ متتالية، فنجعل الأرض شبكةً محلّيةً عملاقةً واحدة؟ المانع أنّ المُبدّل، حين لا يعرف وجهة رسالةٍ ما، يذيعها على كلّ المنافذ ليجدها؛ وهذا مقبولٌ في شبكةٍ صغيرة، لكنّه في شبكةٍ بحجم العالم يعني فيضاناً من الرسائل المُذاعة (broadcast storm) يخنق كلَّ شيء. الشبكة المحلّية الواحدة لها سقفٌ لا تكبر بعده دون أن تنهار.

والأهمّ من ذلك أنّ الإنترنت أصلاً شبكاتٌ مستقلّة يملك كلاًّ منها ويديرها أصحابُها، لا كتلةٌ واحدة. فنحن لا نريد أن نصهر شبكة شركةٍ في شبكة جامعةٍ في شبكة بيت؛ نريدها أن تبقى منفصلةً كلٌّ في حدودها، ثمّ تتّصل فيما بينها عند الحاجة. وهنا بالضبط يتوقّف المُبدّل: عالَمُه شبكةٌ واحدة، وحدُّها هو حدُّ ما يقدر عليه. فمن يعبر بالبيانات من شبكةٍ إلى شبكةٍ مختلفة عنها؟

المُبدّل يوصل الأجهزة داخل الشبكة الواحدة، ولا يصل شبكةً بشبكةٍ أخرى مستقلّة. لا تخلط بين جمع الأجهزة في شبكةٍ واحدة (عملُ المُبدّل) ووصلِ الشبكات المستقلّة بعضها ببعض — فهذا الأخير جهازٌ آخر بوظيفةٍ مختلفة.

المُوجِّه: الجسر الذي يصل شبكةً بشبكة

الجهاز الذي يعبر هذا الجدار هو المُوجِّه (router). وظيفته تختلف عن وظيفة المُبدّل اختلافاً جوهرياً: المُبدّل يصل الأجهزة داخل الشبكة الواحدة، والمُوجِّه يصل الشبكات المختلفة بعضها ببعض. المُوجِّه يقف عند حدود شبكتك، وله قدمٌ في شبكتك وقدمٌ في شبكةٍ أخرى، فيمرّر البيانات بينهما.

وكيف يقرّر إلى أين يمرّر كلّ بيان؟ كلُّ ما يسري نحو خارج الشبكة يحمل على غلافه عنوان وجهته النهائية. يقرأ المُوجِّه هذا العنوان، فيعرف منه إلى أيّ شبكةٍ ينبغي أن تتّجه الرسالة، فيسلّمها إلى الشبكة التالية على طريقها — التي قد يكون فيها مُوجِّهٌ آخر يعيد الكرّة، وهكذا تقفز الرسالةُ من مُوجِّهٍ إلى مُوجِّهٍ، من شبكةٍ إلى شبكة، حتى تبلغ وجهتها. أمّا ما هذا العنوان بالضبط، وكيف يتكوّن، وكيف يعرف المُوجِّه الطريق إليه — فتلك آليةٌ يفصّلها درسٌ لاحقٌ في هذه الدورة؛ يكفيك هنا أن تعرف أنّ المُوجِّه يقرأ وجهةً على غلاف الرسالة، ويختار على أساسها الشبكةَ التي يسلّمها إليها.

هنا تكتمل الصورة التي بدأناها في الدرس السابق. الإنترنت شبكةٌ من الشبكات — والمُوجِّهاتُ هي الجسور التي تصل تلك الشبكات المستقلّة بعضها ببعض. لولاها لبقيت كلُّ شبكةٍ جزيرةً معزولة، لا تعرف عمّا وراء حدودها شيئاً؛ وبها صارت الجزرُ المنفصلة قارّةً واحدة. حين تفتح صفحةً على خادمٍ في الطرف الآخر من الأرض، فبياناتك تعبر عشراتٍ من المُوجِّهات، كلٌّ منها يسلّمها إلى الشبكة التالية، حتى تصل. المُوجِّه هو الجهاز الذي يجعل «شبكة الشبكات» حقيقةً ملموسة لا فكرةً مجرّدة.

للترسيخ

المُبدّل والمُوجِّه يعملان على مستويين مختلفين. المُبدّل داخل الشبكة الواحدة: يصل الأجهزة بعضها ببعض بعناوينها الفيزيائية. والمُوجِّه بين الشبكات: يصل شبكةً بشبكةٍ مختلفة، ويقرّر إلى أيّ شبكةٍ يسلّم كلّ بيان. المُبدّل يبني الجزيرة، والمُوجِّه يمدّ الجسور بين الجزر.

قد تسأل: فأين هذا كلّه في بيتي؟ الصندوقُ الذي يسمّيه الناس «الراوتر» في المنزل يجمع في الواقع عدّة أجهزةٍ في علبةٍ واحدة: فيه مُوجِّهٌ يصل شبكة بيتك بالشبكة الخارجية، ومُبدّلٌ يصل أجهزتك بعضها ببعض، ووحدةٌ لاسلكية توصل الأجهزة بلا كابل. لكنّ الوظائف تبقى متمايزةً وإن اجتمعت في علبة: جزءُ المُبدّل يجمع أجهزتك في شبكةٍ محلّية، وجزءُ المُوجِّه هو الذي يعبر بها إلى العالم. (أمّا كيف يصل هذا الصندوق أصلاً بالعالم الخارجيّ، وما دور مزوّد الخدمة في ذلك، فحديثُ الدرس التالي.)

ما الذي بنيناه، وما الذي يليه

بنينا الشبكة من الصفر، طبقةً فوق طبقة. جهازان يتّصلان بكابلٍ واحد عبر كرت الشبكة في كلٍّ منهما. وحين يكثر العدد، يجمعهما المُبدّل في شبكةٍ محلّيةٍ واحدة، متعلّماً مكان كلّ جهازٍ ليوصل الرسالة إلى وجهتها وحدها. وحين نريد أن نصل شبكةً بشبكةٍ مختلفة، يمدّ المُوجِّه الجسر بينهما، فتصير الشبكاتُ المستقلّة قادرةً على التخاطب. من كابلٍ بين جهازين، إلى مُوجِّهاتٍ تصل قارّاتٍ من الشبكات — تلك هي البنية التي تجعل الإنترنت «شبكةَ شبكات» على أرض الواقع لا في التصوّر وحده.

يبقى مع ذلك سؤالٌ عمليّ معلّقاً. المُوجِّه يصل شبكتك بشبكةٍ أخرى، لكن كيف تخرج شبكةُ بيتك الصغيرة إلى الإنترنت العالميّ أصلاً؟ ما الذي يربط علبتك المنزلية بتلك الشبكة الهائلة الممتدّة حول الأرض؟ هنا يدخل مزوّد خدمة الإنترنت والعمود الفقريّ الذي يحمل بيانات العالم — وذلك ما نبنيه في الدرس التالي.

قد تُعجبك هذه المشاركات

4419914284293787151

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث