مزوّد خدمة الإنترنت (ISP) والعمود الفقري: كيف تصل شبكتك المنزلية بالعالم

تاريخ النشر: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة

بنينا في الدرسين السابقين الشبكةَ من الصفر: عرفنا أنّ الإنترنت شبكةٌ من الشبكات، ثمّ رأينا كيف يجمع المُبدّل الأجهزةَ في شبكةٍ محلّية، وكيف يمدّ المُوجِّه الجسرَ من شبكةٍ إلى شبكةٍ أخرى. وانتهى بنا الدرسُ السابق إلى سؤالٍ معلّق: المُوجِّه يصل شبكتك بشبكةٍ مجاورة، حسنٌ — لكن كيف تخرج شبكةُ بيتك الصغيرة إلى الإنترنت العالميّ أصلاً؟ ما الذي يربط علبتك المنزلية بتلك الشبكة الهائلة الممتدّة حول الأرض؟

الجواب ليس جهازاً واحداً، بل سلسلةً من الوصلات تبدأ من جدار بيتك وتنتهي في قاع المحيط. لنمشِ هذه السلسلة خطوةً خطوة، من الطرف الذي تعرفه — علبتك المنزلية — صعوداً حتى نبلغ العمود الذي يحمل بيانات العالم كلّه.

مزوّد خدمة الإنترنت (ISP) والعمود الفقري: كيف تصل شبكتك المنزلية بالعالم

لماذا لا يكفي المُوجِّه: شبكتك جزيرةٌ تحتاج معبراً

المُوجِّه في بيتك بارعٌ في عمله: يصل شبكتك المحلّية بشبكةٍ مجاورة له. لكنّ هذا هو بالضبط حدُّ قدرته. فهو لا يعرف طريقاً إلى خادمٍ في مدينةٍ أخرى، ولا يملك كابلاً ممدوداً إلى قارّةٍ بعيدة. عالَمُه ينتهي عند الوصلة التي تخرج من بيتك — وما بعدها أرضٌ لا يملكها ولا يعرف عنها شيئاً.

تأمّل ما تحتاجه فعلاً لتصل صفحةً على خادمٍ في الطرف الآخر من الأرض. تحتاج كابلاتٍ تعبر المدن، ومحطّاتٍ توصل بينها، وطرقاً تمتدّ تحت البحار بين القارّات. لا فردٌ يملك هذا، ولا شبكةُ بيتٍ تقدر عليه. البنية التحتية للإنترنت العالميّ مشروعٌ بحجم الكواكب: مئات آلاف الكيلومترات من الكابلات، وأجهزةٌ ضخمة، وصيانةٌ دائمة. أنت لا تبنيها، بل تشترك في خدمةِ من بناها.

وهنا يدخل الطرف الجديد في القصّة: شركةٌ تملك جزءاً من تلك البنية، أو تصل إليها، وتبيعك حقَّ المرور عبرها. هذه الشركة هي التي تحوّل شبكتَك من جزيرةٍ معزولة إلى نقطةٍ على خريطة الإنترنت كلّه.

فكرة جوهرية

المُوجِّه يصلك بجارك؛ لكنّ الوصول إلى العالم البعيد يحتاج بنيةً تحتيةً هائلة لا يملكها فرد. أنت لا تبني الطريق إلى العالم، بل تشترك في خدمة شركةٍ تملكه أو تصل إليه.

مزوّد خدمة الإنترنت: بوّابتك إلى الشبكة العالمية

تلك الشركة اسمُها مزوّد خدمة الإنترنت (ISP)، اختصاراً لـ Internet Service Provider — وهي المؤسّسة التي تشترك عندها فتصلك بالإنترنت. حين تدفع فاتورةً شهرية لتحصل على اتصال، فأنت تدفعها لمزوّد الخدمة؛ وهو الذي يمدّ الوصلةَ إلى بيتك، ويعطي شبكتك مكاناً على الشبكة العالمية.

لكنّ دور المزوّد أعمق من مجرّد «بيع اشتراك». المزوّد يملك بنيةً تحتيةً حقيقية: أجهزةً وكابلاتٍ تربط آلاف البيوت في منطقتك بشبكته هو، ثمّ تربط شبكتَه بشبكاتٍ أكبر منها. فحين تخرج بياناتك من بيتك، أوّلُ من تصل إليه ليس الإنترنت مباشرةً، بل شبكةُ مزوّدك — ومنها تنطلق أبعد.

الجزءُ الذي يصل بيتك تحديداً بأقرب نقطةٍ في شبكة المزوّد له اسمٌ خاصّ: الميل الأخير (last mile) — أي القطعةُ النهائية من الطريق التي تُوصِّل البنيةَ الكبرى إلى باب دارك. سُمّيت كذلك لأنّها آخرُ مسافةٍ تقطعها البيانات قبل أن تبلغك، وهي غالباً الأصعب والأكثر كلفةً في المدّ؛ فمدُّ كابلٍ ضخمٍ بين مدينتين شيء، وإيصالُ وصلةٍ إلى كلّ بيتٍ على حدة شيءٌ آخر. أمّا التقنيات المختلفة التي يُمَدُّ بها هذا الميل الأخير — من كابلٍ نحاسيّ أو ليفٍ ضوئيّ أو غيرهما — فتفصيلٌ يفرده درسٌ لاحقٌ في هذه الدورة؛ يكفيك هنا أن الميل الأخير هو الوصلة التي تربط بيتك بأقرب نقطةٍ في شبكة مزوّدك.

وتلك النقطة التي تلتقي عندها وصلتُك بشبكة المزوّد تُسمّى نقطة التواجد (PoP)، اختصاراً لـ Point of Presence — وهي موقعٌ ماديّ للمزوّد في منطقتك، فيه أجهزتُه التي تجمع اتصالات آلاف المشتركين حولك وتصلها بشبكته الأوسع. فبياناتُك تسير من بيتك عبر الميل الأخير إلى نقطة التواجد، ومنها تدخل قلبَ شبكة المزوّد. تخيّلها بوّابةَ الحيّ إلى الطريق السريع: كلُّ بيوت المنطقة تصبّ فيها، ومنها ينطلق الطريق الكبير.

فكرة جوهرية

مزوّد خدمة الإنترنت (ISP) هو الشركة التي تصل شبكتك المنزلية بالعالم. تسير بياناتك من بيتك عبر «الميل الأخير» إلى نقطة تواجدٍ (PoP) في منطقتك، ومنها إلى شبكة المزوّد التي تمدّها إلى ما هو أبعد.

المودم: المترجم عند حدود بيتك

بقيت خطوةٌ صغيرة لكنّها ضرورية بين جهازك وبين خطّ المزوّد. فالبيانات داخل شبكتك المنزلية تسري بصيغةٍ رقميةٍ تفهمها أجهزتك؛ لكنّ خطّ المزوّد الذي يمتدّ إلى بيتك يحمل الإشارةَ بصيغةٍ أخرى تناسب مدَّها لمسافاتٍ طويلة. فمن يترجم بين اللغتين عند حدود بيتك؟

هذا عملُ المودم (modem). واسمُه نفسه يفكّ لغزَ وظيفته: كلمة modem منحوتةٌ من modulator-demodulator، أي «مُعدِّل ومُزيل تعديل». فهو يأخذ البياناتِ الرقمية الخارجةَ من شبكتك ويُعدِّلها إلى إشارةٍ تناسب السير في خطّ المزوّد؛ وحين تأتيك بياناتٌ من الاتجاه المعاكس، يستقبل تلك الإشارة ويزيل عنها التعديل فيعيدها رقميةً تفهمها أجهزتك. المودم إذن مترجمٌ في الاتجاهين، يقف عند العتبة بين لغةِ بيتك ولغةِ الطريق الخارجيّ.

ومن هنا يتّضح الفرقُ بينه وبين المُوجِّه الذي بنينا عليه من قبل: المُوجِّهُ يوجّه البياناتِ بين الشبكات ويقرّر أين تذهب، أمّا المودمُ فلا يقرّر شيئاً في التوجيه؛ مهمّتُه الترجمةُ وحدها — تحويلُ الإشارة من صيغةٍ إلى صيغة عند حدّ بيتك. المُوجِّه يسأل «إلى أين؟»، والمودم يسأل «بأيّ لغة؟». ولهذا يقفان متتاليين: المودم يترجم الإشارة الداخلة من المزوّد، ثمّ يسلّمها للمُوجِّه الذي يوزّعها على أجهزتك.

المودم والمُوجِّه جهازان مختلفان وإن اجتمعا اليوم في علبةٍ واحدة يسمّيها الناس «الراوتر». المودم مترجمٌ يحوّل الإشارة عند حدّ بيتك، والمُوجِّه موزّعٌ يقرّر إلى أيّ جهازٍ أو شبكةٍ تذهب البيانات. لا تخلط بين وظيفة الترجمة ووظيفة التوجيه، فلكلٍّ عملُه.

بهذا تكون بياناتك قد قطعت أوّل مرحلةٍ من رحلتها: خرجت من جهازك، مرّت بالمُوجِّه، ترجمها المودم، وسارت عبر الميل الأخير إلى نقطة تواجد مزوّدك. أنت الآن داخل شبكة المزوّد. لكنّ شبكة المزوّد نفسها ليست الإنترنت كلّه — فكيف تخرج منها إلى العالم؟

العمود الفقريّ: الطرق السريعة التي تحمل بيانات العالم

شبكة مزوّدك، مهما اتّسعت، تغطّي منطقةً أو بلداً؛ لكنّ الإنترنت يمتدّ حول الأرض. فبين شبكة مزوّدك المحلّية وبين خادمٍ في قارّةٍ أخرى، لا بدّ من طرقٍ كبرى تحمل كمياتٍ هائلة من البيانات عبر المسافات الطويلة. مجموعةُ هذه الطرق الكبرى هي العمود الفقريّ للإنترنت (internet backbone).

العمود الفقريّ شبكةٌ من الكابلات عالية السعة — الأليافُ الضوئية غالباً — تربط المدن الكبرى والقارّات بعضها ببعض، وتمرّ عبرها الكتلةُ العظمى من بيانات الإنترنت. سمِّه شبكة الطرق السريعة بين المدن: شبكتُك المنزلية زقاقٌ صغير، وشبكةُ مزوّدك شوارعُ المدينة، والعمودُ الفقريّ الطرقُ العابرة للقارّات التي تصل كلَّ ذلك ببعضه. حين تفتح صفحةً على خادمٍ بعيد، فبياناتك — بعد أن تخرج من شبكة مزوّدك — تركب هذه الطرقَ الكبرى لتقطع المسافة إلى وجهتها.

والجزءُ الأكثر إدهاشاً أنّ قطعةً هائلة من هذا العمود الفقريّ ليست في السماء ولا في الأقمار، بل في قاع البحار. فأكثرُ من ٩٩٪ من بيانات الإنترنت الدولية العابرة للقارّات تمرّ عبر كابلاتٍ بحرية (submarine cables) ممدودةٍ على قاع المحيطات — أسلاكٌ من الألياف الضوئية بسُمك خرطوم الحديقة تقريباً، تمتدّ مئات آلاف الكيلومترات بين الشواطئ، تحمل الضوءَ المشفَّر بالبيانات من قارّةٍ إلى قارّة. حين تشاهد مقطعاً مستضافاً على خادمٍ في بلدٍ آخر، فالأرجحُ أنّ بياناته عبرت إليك عبر كابلٍ راقدٍ في ظلمة المحيط.

تشبيه

إن كانت شبكتُك المنزلية زقاقاً، وشبكةُ مزوّدك شوارعَ مدينتك، فالعمودُ الفقريّ هو الطرقُ السريعة العابرة للقارّات — كثيرٌ منها كابلاتٌ ضوئية راقدةٌ في قاع البحار تحمل معظم بيانات العالم بين الشواطئ.

كيف تترابط الشبكات: طبقاتٌ واتصالٌ بينيّ ونقاطُ تبادل

بقي السؤالُ الأعمق. عرفنا أنّ مزوّدك يصلك بشبكته، وأنّ العمود الفقريّ يحمل البيانات لمسافاتٍ بعيدة. لكنّ مزوّدَك شركةٌ، ووجهتَك قد تكون على شبكة شركةٍ أخرى في بلدٍ آخر لا علاقة له بمزوّدك. فكيف تعبر بياناتُك من شبكة مزوّدك إلى شبكةٍ لا يملكها ولا يعرف أصحابَها؟ كيف يصل، في النهاية، أيُّ جهازٍ بأيّ جهاز؟

الجواب أنّ مزوّدي الإنترنت ليسوا في مستوىً واحد، بل يترتّبون في طبقاتٍ (tiers) يبني بعضُها على بعض. 

في القمّة مزوّدون عمالقة تُسمّى شبكاتُهم الطبقة الأولى (Tier 1): هم من يملك أجزاءً كبرى من العمود الفقريّ نفسه، بما في ذلك كثيرٌ من الكابلات البحرية، وشبكاتُهم تبلغ كلَّ ركنٍ من الإنترنت. 

تحتهم مزوّدون إقليميون من الطبقة الثانية (Tier 2) يغطّون بلداناً أو مناطق، ويشترون من الطبقة الأولى حقَّ بلوغ بقيّة العالم. 

وفي الأسفل مزوّدون محلّيون من الطبقة الثالثة (Tier 3) — وهم غالباً من يصلك أنت في بيتك — يشترون الوصولَ ممّن فوقهم. 

فبياناتُك قد تصعد هذا السُّلَّم: من مزوّدك المحلّي، إلى مزوّدٍ إقليميّ، إلى شبكةٍ من الطبقة الأولى تحملها عبر العالم، ثمّ تنزل السُّلَّم نفسه على الطرف الآخر حتى تبلغ وجهتها.

لكن كيف تتبادل شبكتان البياناتِ فعلاً حين تلتقيان؟ هنا علاقتان اثنتان. 

الأولى العبور (transit): أن تدفع شبكةٌ صغيرة لشبكةٍ أكبر لتحمل بياناتِها إلى بقيّة الإنترنت — وهو ما يفعله مزوّدك المحلّي حين يشتري الوصولَ ممّن فوقه. 

والثانية الاتصال البينيّ (peering): أن تتّفق شبكتان على تبادل بياناتِهما مباشرةً فيما بينهما دون وسيط، غالباً بلا مقابلٍ ماليّ، لأنّ في ذلك مصلحةً للطرفين — فبدل أن تدفع كلٌّ منهما لطرفٍ ثالث ليمرّر بيانات الأخرى، تصلان مباشرةً فتوفّران وتُسرّعان.

وأين يلتقيان ليتبادلا؟

في مكانٍ ماديٍّ يُسمّى نقطة تبادل الإنترنت (IXP)، اختصاراً لـ Internet Exchange Point — وهي منشأةٌ تجتمع فيها شبكاتٌ كثيرة تحت سقفٍ واحد لتصل بعضها ببعض مباشرةً. تخيّلها مفترقَ طرقٍ كبيراً تلتقي عنده الطرقُ القادمة من كلّ اتجاه، فتنتقل السيارةُ من طريقٍ إلى طريقٍ دون أن تدور حول العالم. كلُّ شبكةٍ تصل جهازَها بهذه النقطة، فتصير قادرةً على تبادل البيانات مع كلّ الشبكات الحاضرة فيها في خطوةٍ واحدة قصيرة بدل مسارٍ طويلٍ متعرّج.

بهذه الطبقاتِ والعلاقاتِ ونقاطِ التبادل، تنسج الشبكاتُ المستقلّة نفسَها في نسيجٍ واحد متّصل. لا مركزَ يملك الكلّ، بل شبكاتٌ كثيرة اتّفقت على أن يصل بعضُها ببعض — فصار أيُّ جهازٍ على أيّ شبكةٍ قادراً على بلوغ أيّ جهازٍ على أيّ شبكةٍ أخرى.

للترسيخ

الشبكاتُ تترابط في طبقاتٍ (من مزوّدك المحلّي صعوداً إلى شبكات العمود الفقريّ)، وتتبادل البياناتِ إمّا بالعبور (transit) مدفوعاً من الصغير للكبير، أو بالاتصال البينيّ (peering) المباشر بين نظيرين، وتلتقي ماديّاً في نقاط تبادل الإنترنت (IXPs). بهذا يصل أيُّ جهازٍ بأيّ جهاز، بلا مركزٍ يملك الكلّ.

رحلةٌ كاملة: من بيتك إلى العالم

لنجمع الخيطَ كلَّه في مشهدٍ واحد. تطلب صفحةً على خادمٍ بعيد، فتخرج بياناتُك من جهازك إلى المُوجِّه في بيتك، ثمّ يترجمها المودم إلى إشارةٍ تناسب خطّ مزوّدك. تسير عبر الميل الأخير إلى نقطة تواجد المزوّد في منطقتك، فتدخل شبكته. ومن شبكته، إن كانت الوجهةُ بعيدة، تصعد إلى مزوّدٍ أكبر يحملها على العمود الفقريّ — عبر كابلاتٍ أرضية وربّما بحرية — إلى القارّة التي فيها الخادم. هناك تنزل السُّلَّم نفسه: من شبكةٍ كبرى، إلى مزوّدٍ محلّيّ، إلى الخادم المقصود. ثمّ يعود الردُّ في الطريق نفسه معكوساً حتى يبلغ شاشتك.

كلُّ هذا يجري في أجزاءٍ من الثانية، عبر شبكاتٍ كثيرة لا يملكها أحدٌ بمفرده، اتّفقت على أن يصل بعضُها ببعض. شبكتُك المنزلية التي بنيناها لبنةً لبنة لم تعد جزيرةً معزولة؛ صارت نقطةً على خريطةٍ تمتدّ حول الكوكب، موصولةً بكلّ نقطةٍ أخرى عليها.

يبقى مع ذلك سؤالٌ عمليّ يلحّ على كلّ مستخدم: إن كانت بياناتي تقطع كلَّ هذه الطرق، فما الذي يجعل اتصالي سريعاً أو بطيئاً؟ ولِمَ قد يبدو رقمُ اتصالٍ كبيراً بينما إحساسُه بطيء؟ ذلك ما نفكّكه في الدرس التالي حين نسأل: ما الذي يحدّد سرعة الإنترنت فعلاً؟

قد تُعجبك هذه المشاركات

4419914284293787151

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث